رئيس الوزراء الجديد يمشي…. تكبير

رئيس الوزراء الجديد يمشي…. تكبير

 

الحقيقة، عندما سمعت الخبر، اعتقدت انني سأشاهد ما يشبه ريس وزراء هولندا وهو يصل إلى مكتبه على الدراجة الهوائية، وآخر وهو يذهب بالمواصلات العامة، او ميركل التي اعتادت استخدام دراجتها الهوائية كذلك، للذهاب والإياب الى مكتبها على مدار العقد من عهدها وأكثر. لم أتوقع ان يقوم رئيس الوزراء الجديد بهذه الحركة، يعني بالمحصلة فشوارعنا لا تساعد وغير مهيأة لركوب الدراجات الهوائية كما في أوروبا. وقلت في نفسي، ممتاز، هذه خطوة تشجيعية لنقل. لأكن أكثر صدقا، لم اقل هكذا بالضبط ولم أصاب بحالة من الابتهاج ولا الفرحة او الاندهاش. في نهاية المطاف، ماذا يعني ان يمشي رئيس الوزراء، لنقل من بيته بالطيرة الى مجمع رئاسة الوزراء على بعد بضعة كيلو مترات، الرياضة مفيدة بالنهاية.

اصابتني الدهشة أكثر من انبهار الناس الذين علقوا فرحا وتشجيعا وكأن الامر بالفعل رائع ومنقطع النظير.

بكل جدية، أقول الآن، ان كم الاندهاش والاشادة بمشي رئيس الوزراء منفردا وبحارس واحد على حسب ما قرأت بالكثير من الأماكن، جعلني أفكر انه بالفعل جاء من بيته مشيا.

ساقني الفضول الى التفتيش على صور رئيس الوزراء الماشي في نهاية اليوم. لابد انه حدث جلل اكدت لنفسي، فلأكن جزءا من هذا الركب المبتهج. نحتاج لبعض البهجة في ظل هذا الوضع المأساوي بالنهاية.

ويا ليتني لم ار الصورة او الصور. فتشت عن صور اركبها لما بنت مخيلتي من مشي رئيس الوزراء في الشارع. وما رأيت كان محزنا، مكئبا، مثيرا للشفقة.

ليس رئيس الوزراء الماشي، ولكن رؤيتنا له يمشي وكأنه حارب الفساد وحرر مسألة العنجهية والخيلاء غير المبررة من مواكب وحراسة وسيارات.

الصورة العظيمة التي جعلت من رئيس الوزراء ماشيا الى عمله، تبدو وبلا مجال للشك على مدخل شارع الوزارات (الذي تم تكريسه لرئاسة الوزراء) يدخل رئيس الوزراء الى الشارع الفرعي هذا ووراءه سيارة شرطة وشرطي على الخيل وخمس مرافقين وشرطيان وطرف لجندي. وهناك رجل مار على طرف الشارع المقابل، وسيارة سوداء وراء سيارة الشرطة تبدو مع الموكب الماشي لرئيس الوزراء.

الآن، ومرة أخرى وبكل جدية، ما الفرق في هذا المشهد من أي مشهد آخر لسلفه او غيره من أصحاب اليد العليا بمرتبة رئيس وزراء؟ ما الذي جاء به ريس الوزراء محمد شتيه مختلفا عن سلفه؟

هل كان المرافقون يحملون رئيس الوزراء السابق رامي الحمدلله الى مكتبه مثلا؟

هل مسافة المئة متر التي قرر النزول منها الى المكتب هي بالفعل الإنجاز العظيم الذي قام به؟

لا اعرف ما الذي جرى لنا كشعب.

نحن الشعب الفلسطيني العظيم، نفرح لأن رئيس الوزراء لم يترك موكبه ينزله امام باب المكتب ومشي مسافة مئة متر مدججا بالحراسة والشرطة والجيش؟

مؤرق ما نقوم به من محاولات بتعظيم شأن المسؤولين، فنرفع سقف توقعاتنا منهم لدرجة، نجعل من توافه الأمور إنجازات. لا اعرف ما الذي أراده رئيس الوزراء عندما نزل من الموكب الطويل والكبير قبل أمتار من مكتبه، ربما بالفعل أراد المشي. الصورة في كل احوالها لا تظهر الا مشهدا يعيد تكرار نفسه. لا يختلف عن سابقه، وهذا امرا عاديا.

لم تكن مشكلة رئيس الوزراء السابق رامي الحمدلله بعدم مشيه هذه المسافة على قدميه. ولم تكن اخفاقاته او سوءاته نتيجة او انعكاسا لشخصه. بالمحصلة، فإن الدكتور رامي الحمدلله كان شخصية لها وزنها الحقيقي في مسيرته كرئيس جامعة لسنوات طويلة. اخفاقاته ليست مرتبطة بشخصه، بقدر ارتباطها بالسياسة العليا في هذه السلطة. فرئيس الوزراء في حينه، كما الآن، ليس الا مكلفا بتطبيق الأوامر وتنفيذها من السلطة العليا.

لا زلنا نذكر كم أشدنا برامي الحمدلله عندما استلم رئاسة الوزراء، وكان الرجل المناسب في المكان المناسب. ولا نزال نذكر كيف قدم استقالته بعد أيام معدودة ليثبت وجهة نظره. ونحن أنفسنا الذين انتظرنا انتهاء ولايته لنرمي عليه كل الإخفاقات والمصائب ونلومه على مآلنا، كما فعلنا بسالفه.

رامي الحمدلله عندما استلم رئاسة الوزراء أعلن كذلك بعدم رغبته بالمواكب، ورأينا منه العجب فيما يتعلق بالإفراط التركيز على شخصه وعلى مظهره ووضعه.

اليوم نصنع لمحمد شتيه صنما ونعبده، وندعي اننا لا نعبد الا الله، ولا نقيم الاهتمام الا لما شرعه ووضعه الخالق ونبيه. ولكننا سرعان ما نصنع من البشر الهة ونحملهم أكبر من طاقاتهم في توقعاتنا.

محمد شتيه، من المرجح ان يكون انسانا طبيعيا، مجتهدا، عاديا. يحاول بكل جدية ان يقدم شيئا لهذه المهمة. ولكن الرجل لم يخط من الخطوة الأولى الا مسافة مكتبه ورفعناه الى منزلة الاولياء على الأرض. لن يكون غريبا ان نسحقه كما سحقنا سلفه عندما تحين ساعة زوال مهمته. ليس لأنه فشل على الصعيد الشخصي (وسيفشل بالتأكيد) وليس لأنه لم يستطع ان يغير أيا من الأوضاع المأساوية التي نعيشها الى الأفضل (لأنه كذلك لن يستطيع). وليس لأنه لم يستطع ان يفي بما وعد (لأنه لن يفي)، لأن فشله الشخصي محكوم بمن يحيطه من منافقين ومرتزقة واولي مصالح يريدون خطوة الى الامام بشأن مآربهم، وهم أنفسهم أولئك الذين نفخوا وكبروا ووهجوا بشخص رئيس الوزراء سالفه، ولأن التقدم خطوة للأمام بشأن أمور السلطة على الصعيد التقني والاجرائي مرتبط برئيس السلطة لا به، وعلى الصعيد الفعلي مرتبط بالاحتلال. فماذا يمكن ان يقدم رئيس وزراء سلطة بلا سيادة على ابسط أمور سيادتها؟ وماذا يمكن ان يغير عن سالفه. فالاحتلال لا يزال قائما، وحالة الفلتان الأمني والسيادي والمجتمعي تتفشى كالسرطان. والاقتصاد مرتبط بالدول المانحة وتعطف الاحتلال على دفع مردودات الضرائب، والحال الداخلي انقسامي انفصالي مليء بالتوتر والكراهية والحقد. فما الذي يمكن ان نتوقعه منه؟

أن يمشى على قدميه الى مكتبه مع ركض الموكب لمسافة بضع امتار….تكبير!